مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
247
شرح فصوص الحكم
التحقيق إن أهل النار ما غضب اللّه عليهم إلا وهو عنهم راض فكان حكم الرضى ثابتا في حقهم فلا يدوم غضب اللّه عليهم في النار فلهم حكم الرضى من اللّه الذي سبق على الغضب وإنما يدوم عذابهم إذا لم يتصف الحق في حقهم بأحد الحكمين بأن يتساوى الرضاء والغضب وليس بواقع فالواقع اتصاف الحق بأحد الحكمين في حقهم فالواقع في حقهم حكم الرضاء من اللّه بإزالة الغضب وهذا معنى قوله ( وإنما قلنا هذا ) المذكور ( من أجل من يرى أن أهل النار لا يزال غضب اللّه عليهم دائما أبدا في زعمه ) فإذا كان غضب اللّه عليهم دائما في زعمه ( فما لهم حكم الرضى من اللّه ) في زعمه فإذا قلت هذا من أجل ذلك قلنا ( فصح المقصود ) وهو أن لهم حكم الرضا من اللّه فلا يصح قول من زعم أنه ما لهم حكم الرضى من اللّه فكان الأمر كما قلناه لا كما قاله فكان هذا القول منه ردا لمن زعم أن أهل النار لا يزال غضب اللّه عليهم دائما ( فإن كان كما قلنا حال أهل النار إلى إزالة الآلام وإن سكنوا النار فذلك رضى فزال الغضب لزوال الآلام إذ عين الألم عين الغضب إن فهمت ) تصريح منه بأن الوجوه المذكورة في إثبات حكم الرضى والرحمة تدل على جواز وقوع ذلك الحكم لهم فلا يقع أن يكون العذاب دائما لهم فيؤدي أدلته إلى التوقف بين جواز دوام وقوع العذاب وبين جواز إزالته فمذهبه التوقف في مثل هذه المسألة كما بيناه من قبل وسنبين إن شاء اللّه تعالى في مسألة فرعون فقد أعاد الشيخ رضي اللّه عنه هذه المسألة في هذا الكتاب كثيرا في مواضع لتضمنه في كل إعادة فائدة جديدة للطالبين لذلك شرحت في كل مرة وإن كان البيان كافيا في موضع . فلما بين غضب اللّه وهو إيصال الألم إلى عباده أراد أن يبين غضب الناس فقال ( فمن غضب ) من الناس على غيره ( فقد تأذى ) بذلك الغضب ( فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلام إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك ) الإيلام فإذا وجد الراحة بإيلام المغضوب عليه ( فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه الحق إذا أفردته ) أي إذا نظرته من حيث غنائه ( عن العالم يتعالى علوا كبيرا عن هذه الصفة على هذا الحد فإذا كان الحق هوية العالم ) أي إذا نظرته من حيث أسمائه وصفاته كان مرآة للعالم ( فما ظهرت الأحكام كلها إلا فيه ومنه ) مع أنه متعال منزه بالانفعال والتأثير بالأحكام كظهور أحكام الرائي في المرآة فإن صورة المتألم في المرآة لا تتألم به الرائي أو نقول إذ كان الحق هوية العالم ففي حق كل فرد من العالم هوية من الحق مختصة به يظهر جميع أحكامه في الهوية المختصة به وهو الحق الخلق وهو العبد فالمتألم هو الحق الخلق لا الحق الخالق فلا يستريح الخالق باستراحة المخلوق ، ولا يتألم بتألمه فهوية العالم هو الحق المخلوق لا الحق الخالق فالإنسان من حيث تحققه بالصفات الإلهية من الحياة والقدرة والإرادة وغير ذلك يقال له حق ومن حيث إمكانه وتحققه بالصفات اللائقة بشأنه حق ومن حيث وجوبه الذاتي خالق